محمد عبد الله دراز
211
دستور الأخلاق في القرآن
هذا الموقف المعارض لموقف القرآن - كما رأينا - محدد في فكر « كانت » ، بنفس القياس الكاذب [ Parallogisme ] ، الّذي فندناه ، والّذي قال فيه : « إذا كان مفهوم الخير لا يتفرع عن قانون سابق ، وإنّما يتخذ أساسا لهذا القانون - فلن يمكن حينئذ أن يكون سوى مجرد مفهوم لشيء مرغوب » « 1 » . ونحن نعتقد ، بعكس ذلك ، أنّ الحكم على قانون بأنّه أخلاقي ليس لكونه عاما ، ولكن تعميم القانون يصبح واجبا لأنّه وضع أوّلا على أساس أنّه حقّ ، إذ لما ذا ننشد سلاما عالميا إن لم يكن لاعتقادنا أنّه يمنحنا نموا عظيما لوجود الإنسانية ذاته ؟ ولنفترض بعكس ذلك أنّه تقرر وجوب اختفاء الضّعفاء ليفسحوا المجال للأصلح من النّاس ، للحياة ! ! . إن حكمنا سوف يتغير في الحال ليصبح الصّراع الشّامل هو الرّأي الوحيد الّذي يعطيناه رجل الأخلاق . إنّ العمومية لا تفعل أكثر من أن تترجم في عبارات شاملة ما تحصل أوّلا في شكل جوهر مفهوم ، والّذي يحدث هو : أنّ الضّرورة ، سواء في النّظام الأخلاقي ، أو في النّظام المنطقي ، هي السّبب في وجود العمومية ، ومن ثم ينبغي أن تسبق هذه الضّرورة العمومية في تفكير المشرع ، ومن الواضح أنّ الضّرورة الأخلاقية تنبع من قيمة داخلية ، لا من شكل خارجي . هذا الفهم المعكوس لعلاقة الفضيلة بالقانون لا يؤدي إلا إلى تغيير وضع الإرادية الإلهية [ Volontarisme the ? ologique ] ، بنقلها إلى مجال ميتافيزيقي ،
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Kant . Crit . p . 60